أحمد بن يحيى العمري

265

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

ومنهم : 67 - عليّ البكّاء « 13 » الصالح المشهور ، ما زايل الدمع حتى خدّد خديه ، ونزل خاضعا لديه ، وترك جياده في حلية الخد تستبق ، والأرض تصطبح منه وتغتبق . بكّاء كان لا يجف منه جفنه ، ولا يخف منه أفنه ، قطع عليه مدة البقاء ، واتخذ منه عدة اللقاء ، هذا إلى حبّ للانفراد ، فسكن من قلبه الشغاف ، وركن إلى خلبه للاطلاع والإشراف ، حتى ثوى ، ولكل امرئ ما نوى ، وأمسى وهو نزيل الخليل وجاره ، وفوق وكر السرحان وجاره . قال ابن اليونيني : حكى لي المنصور سيف الدين قلاوون رحمه الله ، بغزة في شوال سنة خمس وسبعين وستمائة ، وقد خرجت صحبته من الديار المصرية ، فلما نزل غزة استأذنته في زيارة الخليل عليه السلام ، فقال لي : زر الشيخ عليا البكّاء ، فإنه كبير القدر ، وشرع في الثناء عليه وذكر مناقبه ، فقال : لما كنا في الأيام الناصرية مع الملك الظاهر ، زرته فدعا لي ، وأخبرني بأمور تقع ، فوقع أكثرها ، وأعطاني قميصه ، فكنت ألبسه تحت السلاح ، فما أصابني نشاب ولا غيره وهو عليّ ، وأصابني جراحات لما لم أكن لابسه ، أو ما هذا معناه . قال ابن اليونيني : فلما تسلطن الملك المنصور ، وقع في خاطري أن ذلك ربما يكون من الأمور التي أخبره بوقوعها ، والله أعلم . قال : وسمّي بالبكّاء لكثرة بكائه . حكي أنه سئل عن كثرة بكائه ، فقال : كنت ببغداد ، فرأيت رجلا خرج منها ، فتبعته ، فلم يكن بأسرع من وصوله إلى عمارة لا أعرفها ، فظننتها من قرى بغداد ، ودخل مسجدا وصلى فيه الظهر وخرج ، وأنا في صلاة السنة ، فخرجت ، فرأيت وجوها أنكرتها ، وبلدا

--> ( 13 ) انظر ترجمته في : والبداية والنهاية 13 / 262 ، والوافي بالوفيات 22 / 357 رقم 250 ، والسلوك ج 1 ق 2 / 604 ، وعقد الجمان 2 / 98 ، 99 ، وتاريخ الإسلام للذهبي 49 / 309 وفيات سنة 670 .